السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

446

مفاتيح الأصول

انتهى والتحقيق أن ذلك لا يقتضي القطع عقلا وإما عادة فيقتضي ذلك غالبا كما لا يخفى وسابعها ما ذكره في النهاية أيضا فقال في المقام المذكور الرابع خبر العظيم عن الصفات القائم بقلوبهم من الشهوة والنفرة لا يجوز أن يكون كذبا وأيضا إذا أخبر الجمع العظيم البالغ حدّ التواتر إذا أخبر كل واحد عن شيء غير ما أخبر به الآخر فلا بد وأن يقع فيما يكون صدقا ولهذا يقطع بأن في الآحاد المروية عن النبي صلى الله عليه وآله بطريق الآحاد ما هو قوله وإن كنا لا نعرف ذلك بعينه وفيه نظر لأن خبر الجماعة إنما يفيد العلم لو اشتركوا في أمر كلي يخبره كلّ واحد إما مطابقة أو تضمنا أو التزاما أما إخبار كل واحد عن شهوته ونفرته فهو إخبار عن شيء يختص به لا يشاركه في الإخبار به غيره فلا يفيد قوله العلم في حق نفسه ولم يخبر عن غيره فلم يعتقد خبر كل منهما بقول الآخر ولم يحتف به من القرائن ما يفيد العلم انتهى وحكى بعض المخالفين عن المحصول أن ذلك يفيد الصدق فقال في مقام ذكر الأخبار المعلومة الصدق الخامس أن يخبر جمع عظيم ويستحيل تواطؤهم على الكذب عن شيء من أحوالهم كالشهوة والنفرة فإنه لا يجوز أن يكون كلها كذبا كما قاله في المحصول أي بل لا بد أن يكون فيها ما هو صدق وليس المراد أنا نقطع بصدق الجميع فإنه باطل قطعا قال وكذلك إذا أخبر كل واحد منهم عن شيء لم يخبر به صاحبه وثامنها ما أشار إليه في النهاية أيضا فقال إذا أخبر واحد بحضور جماعة كثيرة عن شيء بحيث لو كان كذبا لما سكتوا عن التكذيب كان دليلا على صدقه لبطلان سكوتهم مع علمهم بكذبه لقيام الدّاعي إلى التكذيب وانتفاء الصارف فيجب الفعل فكلَّما لم يوجد دل على عدم علمهم إلى الداعي فلأن من استشهد على الكذب لا يصبر عن التكذيب ويجد مشقة عظيمة لو صبر فدلّ على وجوب الدّاعي وأما انتفاء الصارف فلا إما رغبة أو رهبة والجمع العظيم لا يعمهم رغبة أو رهبة بحملهم على كتمان ما يعلمونه ولهذا لم يجتمعوا على كتمان الرخص والغلاء وبطلان سكوتهم لا مع علمهم بالكذب لبعد عدم اطلاع واحد من الجمع العظيم عليه وهذا يفيد الظن إذ لا يمكن القطع بامتناع اشتراك الجماعة الحاضرين في رغبة أو رهبة مانعة من السّكوت سلمناه لكن يمكن غفلة الحاضرين عن معرفة كونه كذبا لعدم غرض يتعلق بالبحث انتهى وصرّح السيّد في الذريعة وبعض العامة بأن المفروض لا يفيد العلم فقال الأول قد ألحق قوم بالخبر المفيد للقطع أن يخبر الواحد عن شيء مشاهدة ويدعي على جماعة لم تجر العادة بأن يكذب مشاهدة ما شاهده وهذا غير صحيح لأنه غير ممتنع أن يكون لهذه الجماعة دواع إلى الإمساك عن هذا المخبر من وصول نفع أو دواع مضرة فلا يجب أن يكذبوه بل ربما صدقوه أو صدقه بعضهم وقال الثاني إذا أخبر شخص عن أمر بحضرة جمع عظيم بحيث لو كان كذبا لما سكتوا عن تكذيبه فأمسكوا عن ذلك فإنه يفيد ظن صدقه وقال جماعة يفيد اليقين لامتناع جهلهم به في العادة ومع عدم الجهل يمتنع عادة أن لا يكذبوه انتهى والتحقيق أن يقال إن ذلك لا يفيد القطع عقلا لإمكان أمور منافية له ولكن قد يفيده عادة وقد لا يفيده بل قد لا يفيد الظن أيضا وتاسعها ما أشار إليه في النهاية أيضا فقال اعتمد كثير من الفقهاء والمتكلمين في تصحيح خبر بالإجماع وامتثاله بأن الأمة فيه على ثواب منهم من احتج به ومنهم من اشتغل بتأويله وهو يدلّ على اتفاقهم على قبوله واعترض أنهم قبلوه كما يقبل خبر الواحد والجواب خبر الواحد إنما يقبل في العمليات وهذه المسألة علمية قلنا قبلوا الخبر فيما دل على اعتقاد صحته واعترض بمنع قبول كل الأمة بل كل من لم يحتج به في الإجماع طعن فيه بأنه خبر الواحد فلا يجوز التمسّك به في مسألة علمية نعم ربما لم يطعنوا فيه على التفصيل لكن لا يلزم من عدم الطعن من جهة واحدة عدم الطعن مطلقا انتهى وقد صرّح بعض الفضلاء من العامة بأنه لا يفيد القطع فقال تمسّك جماعة في القطع بالخبر بأن العلماء ما بين محتج به ومؤيّد له وذلك يدل على اتفاقهم على قبوله وهو ضعيف لاحتمال أن يكون قبوله كخبر الواحد انتهى ولو قيل بالتفصيل السّابق هنا لم يكن تعبّدا وعاشرها الخبر المحفوف بالقرائن وقد صرّح بإفادته القطع في النهاية والتهذيب والمبادي وشرحيه لفخر الإسلام والسّيوري على الظاهر والبداية وشرحها والمعالم وغيرها وبالجملة عليه المعظم وحكي عن جماعة إنكار إفادته العلم وهو حسن إن أرادوا أنه لا يفيد العلم عقلا وضعيف إن أنكروا إفادته عادة للعلم الضروري بحصول العلم منه عادة بل أكثر ما يحصل لنا العلم به من الأخبار من هذا القبيل وقد تقدم الكلام فيه فيما سبق مستقصى مفتاح عد من الأخبار المعلومة الكذب جملة من الأخبار منها ما خالف الحسّ أي حسّ كان من الحواس الخمس الظاهرة التي هي السّمع والبصر والذوق والشم واللمس وقد صرّح بهذا في الذريعة والنهاية والتهذيب والبداية وشرحها والأحكام ومنها ما خالف ضرورة العقل وقد صرّح بهذا في المعارج والتهذيب والنهاية والمبادي والبداية وشرحها والإحكام وغاية السئول وغيرها ومنها ما خالف دليل العقل وقد صرّح بهذا في الكتب المتقدمة أيضا ومنها ما خالف النّص القاطع من الكتاب والسّنة وقد صرّح بهذا أيضا في الكتب المتقدمة ومنها ما خالف الإجماع وقد صرّح بهذا في المعارج والنهاية والتهذيب والبداية وشرحها وغيرها ومنها قول من لم يكذب قط أنا كاذب وقد صرّح بهذا في النهاية والتهذيب والإحكام لأن المخبر عنه ليس هو نفس هذا الخبر ولا ما لم يوجد من إخباره فلم يبق إلا أن يكون الأخبار المتقدمة فلا يكون إلا أن يكون كذبا أما الأول فلما ذكر في الكتب المذكورة من أن الخبر يجب أن يكون غير المخبر عنه ولا يجوز أن يكون نفسه وأما الثاني فلما ذكره في الإحكام من أن المعدوم لا يوصف بصدق ولا كذب ومع ذلك فإن المشتق باعتبار المستقبل مجاز وأما الثالث فلما ذكر في تلك الكتب من أن الأخبار